أبو الليث السمرقندي
101
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ، أي رفع بصرك إلى السماء وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل : « وددت لو أنّ اللّه تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها » وإنما أراد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء - عليهم السلام - وذلك لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام فقال له جبريل : إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا فاسأل ربك ، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يديم النظر إلى السماء فأنزل اللّه تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ، أي رفع بصرك إلى السماء . فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ، أي فلنحولنك ولنوجهنك في الصلاة قِبْلَةً تَرْضاها ، يعني تهواها أي تميل نفسك إليها . فأمره اللّه تعالى بالتوجه فقال : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، يعني نحوه وتلقاءه وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي إلى الكعبة . ثم قال : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يعني أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم عليه السلام . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ، يعني جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ائتنا بعلامة على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى ، فنزل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود والنصارى بِكُلِّ آيَةٍ ، أي بكل علامة ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ، أي ما صلوا إلى قبلتك . وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ، أي بمصل إلى قبلتهم ، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ - يقال : معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضا . ثم قال : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ هذا الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد منه أمته ، يعني : لئن صليت إلى قبلتهم أو اتبعت مذهبهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، أي البيان أن دين الإسلام هو الحق والكعبة هي القبلة . إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ، أي الضارين بنفسك . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 146 إلى 147 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ؛ يَعْرِفُونَهُ يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم بنعته